أحمد بن محمود السيواسي

122

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

[ سورة محمد ( 47 ) : آية 30 ] وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ ( 30 ) ( وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ ) أي لعرفناك المنافقين ( فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ ) أي بعلاماتهم الخبيثة ، كررت اللام الداخلة في جواب « لَوْ » مبالغة في التعريف ، واللام في ( وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ ) جواب قسم محذوف ، أي واللّه لستعرفنهم « 1 » يا محمد ( فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ) أي في محاورة الكلام بعد هذا اليوم ، من لحن كلامه بفتح الحاء إذا أمال عن وجهه ، وبكسرها بمعنى غني فيه ، قيل : « ما خفي على النبي عليه السّلام شيء من أمر المنافقين بعد ما أنزل هذه الآية » « 2 » ، ثم التفت إلى الخطاب تهويلا لهم بقوله ( وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ ) [ 30 ] أي احذروا أيها المنافقون من اللّه ، فان اللّه يعلم أعمالكم ، يعني قبل أن تعملوها فكيف لا يعلم بعد ما عملتم . [ سورة محمد ( 47 ) : آية 31 ] وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ ( 31 ) ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ ) أي لنختبرنكم عند القتال ( حَتَّى نَعْلَمَ ) أي نميز ( الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَ ) نميز ( الصَّابِرِينَ ) على القتال عن غيرهم ( وَنَبْلُوَا ) أي نختبر ( أَخْبارَكُمْ ) [ 31 ] أي أخبار أعمالكم بين الناس وهي جمع خبر وهو خبر العمل والصبر ، يعني لنبلونكم حتى يظهر ما يخبر به عنكم من أفعالكم من جهاد وصبر وغيرهما ، فان الخبر بين الناس على حسب المخبر عنه إن حسنا فحسن وإن قبيحا فقبيح ، قرئ في الأفعال الثلاثة بالنون لإضافة الفعل إلى نفسه وبالياء غيبة « 3 » لإسنادها إلى اللّه تعالى . [ سورة محمد ( 47 ) : آية 32 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ ( 32 ) ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا ) أي صرفوا الناس ( عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) أي عن دين الإسلام ( وَشَاقُّوا الرَّسُولَ ) أي خالفوه ( مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى ) أي حقية « 4 » الإسلام وأمر النبي عليه السّلام أنه الحق ( لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ ) أي لن ينقصوا من ملكه ( شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ ) [ 32 ] أي يبطل ثوابها في إسلامهم أو يبطل مكائدهم التي نصبوها في مشاقة الرسول فلا يصلون إلى أغراضهم في كفرهم ، قيل : هم بنو قريظة والنضير « 5 » ، وقيل : هم رؤساء قريش « 6 » والمطعمون يوم بدر « 7 » . [ سورة محمد ( 47 ) : آية 33 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ ( 33 ) ثم زاد النصح لهم بقوله ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ ) في السر كما تطيعونه في العلانية ( وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ) فيما يأمركم من أمر الجهاد ( وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ ) [ 33 ] أي حسناتكم بالرياء والسمعة وبفساد النية والعجب ، قيل : نزلت الآية في الذين قال تعالى فيهم : « يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا » « 8 » ، روي : « أن أصحاب النبي عليه السّلام كانوا يرون أنه لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الشرك عمل حتى نزلت « وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ » فكانوا يخافون الكبائر على أعمالهم » « 9 » . [ سورة محمد ( 47 ) : الآيات 34 إلى 35 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ( 34 ) فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ ( 35 ) قوله ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ ) أي وهم كفار مكة ( فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ) [ 34 ]

--> ( 1 ) لستعرفنهم ، وي : لتعرفنهم ، ح . ( 2 ) عن أنس ، انظر البغوي ، 5 / 162 ؛ والكشاف ، 5 / 267 . ( 3 ) « ولنبلونكم » ، « نعلم » ، « ونبلوا » : قرأ شعبة بالياء التحتية في الأفعال الثلاثة ، والباقون بالنون فيهن وقرأ رويس بإسكان واو « ونبلو » ، وغيره بفتحها . البدور الزاهرة ، 298 . ( 4 ) حقية ، ح و : حقيقة ، ي . ( 5 ) هذا الرأي مأخوذ عن الكشاف ، 5 / 267 . ( 6 ) عن الكلبي ، انظر السمرقندي ، 3 / 246 ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 5 / 267 . ( 7 ) عن ابن عباس ، انظر البغوي ، 5 / 162 ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 5 / 267 . ( 8 ) الحجرات ( 49 ) ، 17 . عن مقاتل ، انظر السمرقندي ، 3 / 247 . ( 9 ) عن أبي العالية ، انظر السمرقندي ، 3 / 247 ؛ والبغوي ، 5 / 163 ؛ والكشاف ، 5 / 268 .